هل أعاد الكاف كتابة تاريخ إفريقيا في غرف الاستئناف؟ عن «عدالة الورق» و«منطق الملعب».. وتلك الـ17 دقيقة التي ابتلعت حلم السنغال.. إليكم حكاية «الـ17 دقيقة» التي أعادت كتابة تاريخ كأس الأمم الإفريقية 2025.
يقولون إن «الوقت هو الحياة»، لكن في كرة القدم -يا عزيزي- الوقت قد يكون «فخا».. اليوم استيقظ العالم على خبر عجيب يشبه قصص «ألف ليلة وليلة» في نسختها الكروية؛ فالسنغال التي رقصت واحتفلت ورفعت الكأس، قيل لها فجأة عبر البريد الإلكتروني بعد 60 يومًا: «عذرًا.. أنتم لستم الأبطال، لقد غادرتم الملعب دون إذن».

«البطل» في ذمة البريد الإلكتروني
تبدأ الحكاية من مفارقة سريالية؛ لاعبون يحتفلون في شوارع «داكار»، ميداليات تطوق الأعناق، وصور تذكارية للأجيال، ثم فجأة رسالة بريد إلكتروني باردة تُعلن أن كل ما سبق كان «وهمًا قانونيًا».
الواقعة التي شهدها ملعب المباراة في 18 يناير 2025 لم تكن مجرد توقف فني لـ17 دقيقة إثر احتجاج على ركلة جزاء بل كانت «فصلًا قانونيًا» لم يكتمل؛ فبينما كانت المباراة تستكمل فعليًا، وتنتهي بنتيجة فنية على الشاشة، لكن القرار الإداري المتأخر بقلب النتيجة إلى (3-0) بناءً على المادتين 82 و84، وضعنا أمام «ريمونتادا إدارية» هي الأغرب في تاريخ القارة.
تحليل «الفجوة الزمنية» تساؤلات حول التوقيت
هذا التحول يقودنا بالضرورة إلى نقطة هي الأجدر بالتشريح؛ ليست «مشروعية الاستئناف» -فهو حق مكفول للجميع- بل هي «بيروقراطية التوقيت»، فكيف يسمح اتحاد قاري بمراسم تتويج كاملة، وتسليم جوائز رسمية رفيعة، وهو يعلم أن هناك مسارًا قانونيًا قد ينسف هذا المشهد.

لكي نكون منصفين، المغرب مارست حقًا قانونيًا أصيلًا بالبحث في «دفاتر اللوائح»؛ حيث استندت إلى نصوص صريحة بخصوص مغادرة الملعب دون إذن الحكم، كما أن «الكاف» طبق المادتين لضبط النظام، وهو إجراء مؤسسي لضمان عدم تكرار الواقعة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين كانت هذه «اليقظة القانونية» طوال 60 يومًا؟ ولماذا تركت المشاعر تشتعل بالذهب، طالما أن «اللوائح» لها سلطة التغيير؟
دراما «الأسود» حين تصطدم اللوائح بالمشاعر
هذا التباين بين الملعب والمكتب أنتج «دراما بشرية» معقدة؛ فساديو ماني الذي بذل جهدًا لإقناع زملائه بالعودة واستكمال المباراة لكي لا يخسروا «هيبة الميدان»، اكتشف أنّ تلك العودة لم تكن كافية أمام صرامة اللوائح المتأخرة.

وعلى «إنستجرام»، تحولت الحسابات الرسمية للاعبي السنغال إلى ما يشبه «سرادق عزاء» ممزوج بالذهو ، إسماعيلا سار ينشر «إيموجي» يضحك باكيًا، والحاج ماليك ضيوف ينشر صورته بالميدالية الذهبية معلقاً بمرارة: «كيف تحول الاحتفال إلى سرقة؟».
المأساة الحقيقية ليست في خسارة اللقب بل في «الذاكرة».. كيف ستقنع طفلًا سنغاليًا أنّ الهدف الذي رآه بعينه واحتفل به في الشارع أصبح «عدما» بقرار إداري بعد شهرين؟
الموقف معقد؛ فالمغاربة يرون في القرار «عدالة متأخرة» وتطبيقًا لروح القانون التي انتهكت بمغادرة الملعب، بينما يرى السنغاليون أنّها «سرقة» لمجهود بذلوه بعرق الجبين حتى اللحظات الأخيرة.

لقد انتصرت اللائحة، لكن هل انتصرت «هيبة» كرة القدم الإفريقية؟ إنّ تطبيق القانون «بعد فوات الأوان» هو نوع من «العدالة العرجاء» التي تترك الجميع خاسرين؛ الخاسر في الملعب يشعر بمرارة فقدان اللحظة، والمنتصر يفتقد لذة الاحتفال العفوي وسط الصافرات.
وبين هذا وذاك انحنى «منطق الملعب» انحناءة تاريخية أمام «عدالة الورق».. ليبقى الجمهور وحده يتساءل.. هل نصدق ما رأته أعيننا تحت الأضواء، أم ما قرأناه في رسائل البريد الإلكتروني؟

تعليقات الفيسبوك