باسم الصبروتي
باسم الصبروتي يكتب: كيف روض «العميد» ماتادور الإسبان؟ خلطة سرية أبطلت سحر «التيكي تاكا»
دائمًا ما نقول إن كرة القدم ليست مجرد أرقام على لوحة النتائج، بل «تفاصيل»، ومن يهتم بالتفاصيل يملك مفاتيح المباراة.. وأمام إسبانيا، لم نشاهد مجرد مباراة ودية أو تنافسية عابرة، بل شاهدنا «مباراة مدرب» بامتياز، إذ قرر حسام حسن أن يضع بصمته التكتيكية على طاولة الكبار، ليثبت أن الروح وحدها لا تكفي، بل الروح حين تُصقل بالتنظيم تصبح سلاحاً فتاكاً.

خنق الموهبة.. كيف اختفى لامين يامال؟
قبل المباراة كان الجميع ينتظر كيفية تعامل الدفاع المصري مع الفتى المعجزة لامين يامال، الذي يراوغ بظله ويصنع الفارق من أنصاف الفرص، لكن الحقيقة أن يامال لم يجد المساحة الكافية حتى للتنفس، وهذا لم يحدث بمحض الصدفة أو بمجرد الحظ، بل كان نتاج «خنق تكتيكي» مدروس.
فبدلاً من الاعتماد على الرقابة الفردية اللصيقة التي تستهلك مجهود المدافع وتترك مساحات خلفه، اعتمد حسام حسن على «تضييق المسافات» بين خطي الدفاع والوسط. الفكرة كانت ببساطة هي حرمان لامين يامال من أهم ميزة يمتلكها وهي «السرعة في المساحة».

فبمجرد استلامه للكرة، كان يجد نفسه أمام «ستارة دفاعية» مزدوجة، الظهير يمنعه من الاختراق للداخل، ولاعب الوسط القريب يغلق أمامه زوايا التمرير العرضي.
هذا التنظيم الهادئ أجبر يامال في كثير من الأحيان على التراجع للخلف أو التمرير العرضي الآمن، بدلاً من المغامرة بالاختراق، ولم يكن الهدف إلغاء وجود يامال تماما -فهذا شبه مستحيل أمام موهبة مثله- بل كان الهدف «تقليل فاعليته» ومنعه من تشكيل خطورة مباشرة على المرمى.
وبفضل هذا الالتزام الدفاعي من الأجنحة وظهيري الجنب، فقد المنتخب الإسباني ميزة «العرضيات المؤثرة»، وتحولت خطورة لامين يامال إلى مجرد استحواذ سلبي على الأطراف، بعيدا عن مناطق الخطر المصرية.
مصطفى شوبير.. ولادة شخصية البطل
على الرغم من إحكام هذا الحصار التكتيكي، إلا أن مواجهة مدرسة بحجم إسبانيا تعني حتمية وصول المنافس للمرمى في لحظة ما، وهنا تبرز الحاجة لمن يحمي ثمار هذا المجهود، فإذا أردت أن تبني فريقاً صامداً، فعليك أن تملك حارساً يشعرك بالأمان، وهذا ما فعله مصطفى شوبير، لا سيما أن أداءه لم يكن مجرد تصديات، بل كان حضورًا ذهنيا طاغيا على أرض الملعب.

لقد تعامل شوبير مع الهجمات الإسبانية ببرود أعصاب يحسد عليه، وكأنه يمتلك خبرة سنوات طويلة في الملاعب الأوروبية، ولم يكتف بدور الحارس الساكن، بل رأيناه قائدا حقيقيا يوجه الخط الخلفي ويصحح التمركز قبل وقوع الخطأ.
إن إنقاذ مرماه من أهداف محققة لم يكن مجرد منع للكرة من دخول الشباك، بل كان «المفتاح» الذي حافظ على تماسك زملائه ومنع الفريق من الانهيار تحت الضغط، ليمهد الطريق نحو المكسب الأهم في هذه المواجهة.

المكسب الحقيقي.. الشخصية والندية
بعيدًا عن لغة الأرقام والنتيجة النهائية، يبرز المكسب الأكبر من هذه الموقعة وهو «الندية»، أن تواجه منتخباً يملك ثقافة كروية متجذرة مثل إسبانيا، ثم تنجح في فرض أسلوبك ومنطقك عليه لفترات طويلة، فهذا يعني أننا أمام «تحول جذري» في عقلية اللاعب المصري.
لقد شاهدنا منتخبا يتمتع بصمود دفاعي لا يهتز تحت وطأة الضغط العالي، وروحا قتالية تصر على الصراع على كل كرة وكأنها الأخيرة، والأهم من ذلك هو «وضوح الهوية»، فنحن أمام فريق يعرف متى يدافع بكتلة واحدة، ومتى ينفجر في التحولات الهجومية الخاطفة.

في النهاية يظل العنوان الأبرز إننا أمام نسخة من المنتخب الوطني تعرف قيمتها الفنية جيدًا وتثق في قدراتها. حسام حسن أدار الموقعة بعقل «المحلل» الذي يقرأ الخصم وقلب «المقاتل» الذي لا يخشى الأسماء، ومصطفى شوبير بصموده وشخصيته أكد لنا أن حراسة مرمى الفراعنة باتت في أمان لسنوات طويلة مقبلة.
وختاما «برافو» لكل من شارك في رسم هذه الصورة المشرفة التي تعيد إلى الكرة المصرية هيبتها.

تعليقات الفيسبوك