عادل إمام
خلف زجاج نظارته الداكنة، جلس عادل إمام في أحد أمسيات عام 1983 على رصيف الفلكي، لا لمشاهدة مباراة عابرة، بل للبحث عن شيء أعمق؛ عن «روح الحريف» التي لا تولد في الأكاديميات، بل تنبت من الإسفلت وتكبر في الأزقة. في مساحة ضيقة من ملعب أمبروزو، كانت كرة الشراب تلتصق بالأقدام الحافية كأنها تعرف أصحابها، بينما العيون تراقب بتركيز الجراح تفاصيل الموهبة الخام.
منذ تأسيس دورة الفلكي عام 1976، تحوّل الملعب الشعبي إلى مسرح لاكتشاف النجوم. لم يكن «الزعيم» وحده الحاضر، بل احتشدت حول الخطوط الجانبية عيون خبيرة؛ كشافون يجوبون الحارات بحثًا عن جوهرة جديدة، هنا، في ما أطلق عليه أبناء المنطقة برنابيو الغلابة، تسابقت الأندية على اقتناص المواهب قبل أن تعبث بها حسابات السماسرة.

ومن رحم هذا الأسفلت خرجت أسماء صنعت مجدًا كرويًا لاحقًا، مثل أحمد الكاس وأحمد ساري وأيمن شوقي؛ لاعبون لم يبدأوا من صالونات الأندية المكيفة، بل من «خبطة» كرة بلوتيكس في أزقة الحضرة، حيث الموهبة تُختبر تحت ضغط الجمهور لا تحت أضواء الكاميرات.
في ذلك الملعب الشعبي، كان قاموس العضلات يتراجع أمام قاموس الحريفة، العظمة تُقاس بتمرير الكرة من «خرم إبرة»، وبقدرة لاعب على نصب «كوبري» بلمسة فطرية تشعل المدرجات. يمتزج غبار الأرض برائحة بخور رمضان، فيما تتصاعد صيحات الدهشة مع كل مراوغة ناجحة.
وقف كبار اللعبة يتابعون المشهد بوقار؛ أسماء بحجم محمد لطيف وحمادة إمام ومحمود بكر، يراقبون جيلاً يكتب قانونه الخاص. كانت الكرة البلوتيكس تلمع في عتمة الليل كقمر صغير، بينما تُصاغ الحكايات بعيدًا عن حسابات السوق، بلغة واحدة عنوانها الشغف.

ورغم العفوية الظاهرة، لم تكن «دورة الفلكي» ساحة فوضى. فقد أدارها كبار المنطقة بقواعد صارمة تحمي روح المنافسة. لا تجاوز، لا شغب، ومن يخرج عن النص يُحرم من «جنة المونديال» الشعبي. هذا الانضباط منح البطولة هيبتها، وجعلها أقرب إلى دوري أبطال مصغّر في قلب الإسكندرية.
بين كادر سينمائي التقطه عادل إمام بعين الفنان، وموهبة فذة صقلتها الشوارع قبل الملاعب، برزت «دورة الفلكي» كأحد تجليات القوة الناعمة في المدينة الساحلية. لم تكن مجرد بطولة رمضانية، بل حالة عشق جماعي، وقّع عليها نجوم المستقبل وجمهور الحواري.
سيبقى «برنابيو الغلابة» شاهدًا على أن الإبداع لا يحتاج إلى مدرجات فاخرة، وأن الكرة – مثل الفن – تولد من الناس وتعود إليهم. هناك، في بلاطة أسمنتية بسيطة، كُتبت فصول من الحكاية المصرية بأقدام حافية وقلوب ممتلئة بالحلم.
سويسرا
-
:
-
10:00 AM
كأس العالم 2026
كندا
قطر
-
:
-
10:00 AM
كأس العالم 2026
البوسنة والهرسك
بنما
0
:
1
02:00 AM
كأس العالم 2026
كرواتيا
كولومبيا
1
:
0
05:00 AM
كأس العالم 2026
الكونغو
تعليقات الفيسبوك