كأس العالم 2026
لم تعد كرة القدم ذلك الملاذ البسيط الذى كان يتسع للجميع، ولم يعد المونديال مناسبة يلتقى فيها العالم على اختلاف طبقاته تحت راية واحدة، فى كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة الأمريكية يتبدل المشهد كاملاً، وتخرج اللعبة من عباءة الشغف إلى حسابات الربح والخسارة، إذ تحول الحلم القديم إلى معادلة مالية معقدة لا مكان فيها للعفوية ولا لصوت الجماهير البسيطة.
فى المدرجات، التى كانت يوماً مسرحاً للاعب رقم 12، بات الحضور مشروطاً بالقدرة لا بالانتماء، وبالميزانية لا بالشغف، ومع كل تذكرة تسعّر بالدولار تتراجع فكرة أن كرة القدم لعبة للجميع، ليصبح السؤال الأكثر إلحاحاً ليس من سيفوز بالكأس؟ بل من يستطيع أصلاً أن يكون شاهداً على لحظة تتويج منتخب بلاده؟
«أهلاً بك فى مونديال الأغنياء»، هناك، حيث تباع التذكرة بسعر شهر كامل من دخل مشجع عادى، وحيث يتحول حضور المباراة إلى رحلة معقدة من تأشيرات وسكن ومصاريف لا ترحم، ليبتعد المونديال خطوة عن جمهوره الحقيقى، ويختفى المشهد التشجيعى من الهتافات المشتعلة إلى مدرجات باردة، تحمل متفرجين لا مشجعين.
مدرجات الأغنياء تبدأ أسعار تذاكرها فى دور المجموعات بكأس العالم 2026 من نحو 56 دولاراً، وقد تصل إلى 461 دولاراً، وفقاً لفئة التذكرة وحجم الطلب على كل مباراة، فى وقت يؤكد فيه الاتحاد الدولى لكرة القدم «فيفا» تلقيه أكثر من 5 ملايين طلب شراء خلال أول 24 ساعة من فتح مرحلة البيع الأخيرة، رغم موجة الانتقادات الواسعة التى طالت سياسة التسعير.
وأبدت روابط مشجعين وجماعات داعمة للمنتخبات استياءها من الأسعار الجديدة، ووصفتها بأنها «مبالغ فيها» وتمثل «خيانة» لروح كرة القدم، خاصة مع اقتراب فتح المرحلة الثالثة من بيع التذاكر اعتباراً من 11 ديسمبر المقبل، وسط توقعات بزيادة الإقبال والضغط على المنصة الرسمية.
وبحسب البيانات المعلنة، تبدأ أسعار مباريات دور المجموعات، باستثناء مباريات الدول المضيفة، من 60 دولاراً وتصل إلى نحو 620 دولاراً، بينما ترتفع بشكل كبير فى المباريات التى يشارك فيها أحد المنتخبات المضيفة الثلاثة الولايات المتحدة أو كندا أو المكسيك، إذ قد تصل الفئة الأعلى إلى قرابة 2735 دولاراً للتذكرة الواحدة.
فى الأدوار الإقصائية، تقفز الأسعار تدريجياً، إذ تبلغ الفئة الأعلى فى دور الـ16 نحو 980 دولاراً، وترتفع إلى قرابة 1775 دولاراً فى ربع النهائى، ثم نحو 3295 دولاراً فى نصف النهائى، بينما يصل سعر تذكرة المباراة النهائية فى أعلى فئة إلى نحو 7875 دولاراً، مع تسجيل ارتفاعات حادة فى أسعار إعادة البيع، خاصة لمباريات منتخبى البرتغال والأرجنتين، بنسبة قاربت 300% عقب إجراء القرعة.
«فيفا» أعلن أيضاً طرح مليون تذكرة إضافية خلال المرحلة الثانية من البيع التى انطلقت فى 28 أكتوبر، على أن تستمر نوافذ الشراء من منتصف نوفمبر حتى أوائل ديسمبر، بعد اختيار الفائزين فى قرعة أكتوبر، كما أكد أن منصة إعادة البيع الرسمية الخاصة بمونديال 2026 ستدخل الخدمة فى أكتوبر 2025.
وفى سابقة تاريخية، أقر «فيفا» تطبيق نظام التسعير المتغير على تذاكر كأس العالم، مؤكداً فى الوقت نفسه الإبقاء على فئات محددة بأسعار ثابتة لبعض الجماهير، رغم أن الغالبية العظمى من التذاكر ستخضع لمعادلة العرض والطلب، فى بطولة تحتاج إلى ملء نحو 7.1 مليون مقعد عبر 104 مباريات، بعدما تقدم أكثر من 4.5 مليون شخص بطلبات شراء خلال مرحلة البيع المسبق الأولى.
وتشير الأرقام النهائية إلى أن أسعار تذاكر مونديال 2026 تتراوح بشكل عام بين 60 دولاراً وتتجاوز 6 آلاف دولار فى بعض الفئات، فى مشهد يعكس التحول الواضح فى فلسفة تنظيم البطولة الأكبر عالمياً، حيث باتت كرة القدم تدار بلغة السوق وليس بروح المستطيل الأخضر.
هذه الأسعار مجرد البداية، فهناك أيضاً أموال إضافية تضيف ثقلاً لرحلة التشجيع، ممثلة فى الضيافة التى تحمل أسعاراً خيالية، والباقات المميزة التى تقدم تجربة فاخرة للمشاهدة داخل الملاعب بتكلفة تتجاوز أحياناً 10000 دولار للمباراة الواحدة.
حتى لو استطاع المشجع الحصول على تذكرة باهظة الثمن، تبقى تكاليف السكن والنقل والطعام عبئاً مالياً لا يقل أهمية، حسب تقديرات خبراء السفر، فتكلفة ليلة واحدة فى فندق فى المدن المضيفة قد تتراوح بين 120 و500 دولار حسب الطلب والموقع، إلى جانب المصاريف اليومية من طعام ونقل محلى يمكن أن تصل إلى 30 - 120 دولاراً إضافية يومياً.
ولو نجح المشجع فى تدبير كل هذه المصاريف الباهظة، سيواجه أزمة أكبر، ففى البطولات المجمعة التى تنظم فى أكثر من دولة بنفس التوقيت، سيكون المشجع بمثابة رحالة، يتنقل من مدينة إلى أخرى، وهى ضرورة حقيقية إذا أردت متابعة أكثر من مباراة، فتكلفة التنقل الجوى الداخلى قد تصل إلى 120 - 400 دولار لكل رحلة قصيرة، وفى تقديرات أخرى، حتى رحلة بسيطة لحضور البطولة مع السكن لمدة أسبوع يمكن أن تقدر بنحو 5000 دولار للشخص الواحد كحد أدنى بعد حساب التذاكر والإقامة والطيران والمصاريف الأخرى.
لا تنتهى التكلفة عند التذاكر والطيران، بل تشترط الدول المضيفة تأشيرة دخول، فعلى سبيل المثال، التأشيرة الأمريكية «B-2 السياحية» تفرض رسوم معالجة تبلغ نحو 185 دولاراً، بالإضافة إلى ضرورة حجز موعد فى السفارة الأمريكية وإجراء مقابلة، وهذه التكلفة تختلف حسب بلد المشجع، وقد تشمل أيضاً رسوم التأشيرة الكندية أو المكسيكية إذا كنت تتنقل بين الدول لزيارة مباريات متعددة.
مع كل هذه الأرقام يتضح أن حضور كأس العالم 2026 يتطلب ميزانية ضخمة، وليس فقط انتماء لكرة القدم، فى نسخة 2022 فى قطر كان الحد الأدنى لما يحتاجه المشجع لتغطية مجموعة من المباريات أقل بكثير مقارنة بما هو متوقع هذه المرة، لكن فى 2026 قد تضطر العائلة أو الفرد لإنفاق آلاف الدولارات فقط لمشاهدة مباراة أو اثنتين بعيداً عن المصاريف الإضافية.
كانت رابطة مشجعى كرة القدم فى أوروبا من أوائل الجهات التى رفعت اعتراضاً منظماً على تسعير تذاكر كأس العالم 2026، معتبرة أن الأسعار المعلنة تمثل قطيعة واضحة مع الجمهور التقليدى للعبة.
وفى بيانات رسمية، وصفت الرابطة التسعير الجديد بأنه «مبالغ فيه إلى حد الابتزاز»، محذرة من أن سياسات «فيفا» تهدد بإقصاء المشجعين الحقيقيين لصالح جمهور سياحى محدود، وأكدت أن المونديال، بوصفه حدثاً عالمياً، يجب ألا يدار بعقلية السوق وحدها، بل بروح تضمن حق الوصول العادل للجماهير التى صنعت شعبية اللعبة على مدار عقود.
إلى جانب رابطة مشجعى أوروبا، أصدرت مجموعات وروابط جماهيرية من دول مختلفة بيانات متزامنة تنتقد سياسة التسعير، معتبرة أن المشكلة لا تقتصر على ثمن التذكرة فقط، بل تمتد إلى التكلفة الإجمالية لحضور المونديال من سفر وإقامة وتأشيرات، وحذرت هذه التنظيمات من أن البطولة قد تتحول إلى حدث بلا صوت جماهيرى حقيقى، مع مدرجات ممتلئة بالأجساد وخالية من الشغف، إذا استمرت الأسعار فى تصاعدها وفق منطق العرض والطلب فقط.
فى مواجهة هذه الانتقادات، وجد الاتحاد الدولى لكرة القدم نفسه مضطراً للدفاع علناً عن سياسته، حيث أقر رئيس «فيفا» بأن التذاكر «ليست رخيصة»، لكنه اعتبر نظام التسعير المتغير جزءاً من إدارة بطولة بهذا الحجم، ورغم التأكيد على الإبقاء على فئات بأسعار ثابتة لبعض الجماهير، فإن تصريحات مسئولى «فيفا» عكست حجم الضغط الواقع على المؤسسة، خاصة مع تصاعد الاتهامات بأن البطولة الأوسع فى تاريخ كأس العالم تُدار بعقلية اقتصادية قد تضعف علاقتها بجمهورها الأساسى.
الجدل لم يتوقف عند حدود المدرجات، بل وصل إلى الدوائر السياسية، بعدما عبر رئيس الوزراء البريطانى عن استيائه من أسعار التذاكر المرتفعة، فى سابقة نادرة يتدخل فيها مسئول سياسى بهذا المستوى فى ملف رياضى تنظيمى، وجاءت هذه الانتقادات فى ظل مخاوف من حرمان أعداد كبيرة من المشجعين البريطانيين من حضور البطولة، ما وضع «فيفا» تحت ضغط علنى، دفعه لاحقاً للإعلان عن فئة تذاكر مخفضة بسعر 60 دولاراً، فى خطوة اعتبرها مراقبون استجابة مباشرة لتصاعد الانتقادات الرسمية.
تواجه جماهير منتخب إيران لكرة القدم، أحد أبرز الفرق المتأهلة إلى نهائيات كأس العالم 2026، عراقيل حقيقية فى الحصول على تأشيرات دخول الولايات المتحدة لحضور المباريات، فى انعكاس واضح لتأثير السياسات الخارجية على الرياضة، السلطات الأمريكية رفضت منح تأشيرات لعدد من أعضاء الوفد الرسمى الإيرانى، ومن بينهم رئيس الاتحاد الإيرانى مهدى تاج، مما دفع الاتحاد إلى إعلان مقاطعة مراسم قرعة البطولة التى أقيمت فى واشنطن، واصفاً القرار بأنه موقف سياسى بحت لا علاقة له بالرياضة، ورغم حصول المدرب وبعض الأعضاء على التأشيرات فى نهاية المطاف، فإن الأزمة كشفت فجوة بين الوعود الرسمية بترحيب شامل لكل المشاركين وبين واقع القيود القائم على خلفيات دبلوماسية وعلاقات متوترة بين البلدين.
الأزمة لم تقتصر فقط على المسئولين والوفود الرسمية، إذ يمتد تأثيرها ليشمل جماهير منتخبات من دول تخضع لقيود السفر الأمريكية، مثل إيران وهايتى، التى تصنفها واشنطن ضمن قائمة الدول المقيدة، مما يضع فى مهب الريح حضور مشجعيها فى البطولة التى تقام جزئياً على الأراضى الأمريكية.
بينما يسمح نظام التأشيرات الاستثنائى للاعبين والمدربين بدخول البلاد لحضور المنافسات، تبقى فرصة حصول المشجعين العاديين على التأشيرات غير مضمونة، مما أثار خيبة أمل واسعة فى أوساط الجماهير التى ترى فى المشاركة الحقيقية فى المونديال جزءاً لا يتجزأ من التجربة الكروية الكبرى، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كانت السياسة ستفصل نفسها عن الرياضة، أو أن حواجزها ستظل سداً يفصل الجماهير عن حلم حضوره المباشر.
البرازيل
-
:
-
08:00 AM
كأس العالم 2026
اليابان
ألمانيا
-
:
-
11:30 PM
كأس العالم 2026
باراجواي
تعليقات الفيسبوك