منذ اللحظة التي وطأت فيها قدم محمد مجدي أفشة، إلى الإسكندرية، في يناير الماضي، والذاكرة الكروية لا تتوقف عن استدعاء شريط «النوستالجيا»، لواحد من أجمل فصول الدراما الكروية في مطلع الألفية، بطلُه وليد صلاح الدين.
نحن أمام «كربون» كروي مدهش، وكأن القدر يقرر إعادة إنتاج نفس العمل السينمائي ببطل جديد، لكن في ذات المكان.
في عام 2003، خرج وليد صلاح الدين من جنة النادي الأهلي، بحثا عن قبلة الحياة كرويا، فوجدها في أحضان «سيد البلد»، واليوم، نرى أفشة يسلك نفس الدرب، وكأن الاتحاد السكندري صار هو المرفأ الذي تلجأ إليه المواهب التي أرهقتها حسابات المدربين وبرودة دكة البدلاء.

فلسفة المركز.. وصراع الهوية
المقارنة هنا ليست مجرد رصد للأرقام، بل هي في المنهج، كلاهما ينتمي لمدرسة صانع الألعاب الكلاسيكي، ذاك المبدع الذي يرى ما لا يراه الآخرون، والذي يرفض أن تتحول الكرة إلى مجرد نمطية بدنية.
وليد صلاح الدين كان يعزف «سيمفونيات» في وسط الملعب، يعوض نقص المجهود البدني بذكاء فطري في التمرير.
وأفشة، الذي سيبقى اسمه مقترنا بـ«القاضية ممكن»، يمتلك ذات الروح؛ تلك القدرة على حسم المونتاج النهائي للمباراة، بلمسة واحدة، تعيد ترتيب المشهد.

الإسكندرية.. مسرح الحكاية
لماذا الاتحاد؟ ولماذا الآن؟.. الإسكندرية دائما ما كانت مدينة «تذوق»، لا تقبل إلا بالأداء الذي يحتوي على شجن فني.
وليد صلاح الدين في موسمه اليتيم مع الاتحاد استعاد شبابه، وصار هو القائد والملهم، فهل ينجح أفشة في أن يكون المايسترو الجديد لمدرج الشاطبي؟
إن الرهان هنا ليس على استنساخ الماضي، بل على تقديم نسخة عصرية من الإبداع ، فإذا كان وليد صلاح الدين قد صبغ أداء سيد البلد بوقار الموهبة وهدوء الكبار، فإن أفشة جاء ليضخ في عروق هذا الأداء حيوية صانع الألعاب الذي يطارد المستحيل؛ ذاك الذي يجمع بين ذكاء التمريرة وقوة الحضور.
أفشة لا يسير في ظل وليد، بل يستلهم من تجربته كيف يكون الترمومتر الذي يضبط نبض المدرجات، وكيف يحول الرقم 10 من مجرد خانة في التشكيل إلى مركز ثقل فني يفرض هيبته على الجميع، مؤكدا أن الموهبة الحقيقية هي التي تطوع العصر لخدمتها، ولا تستسلم لبرود الأنماط الجامدة.
نجاح أفشة في محاكاة تجربة أمير الموهوبين، يتوقف على قدرته على تطويع موهبته لتناسب متطلبات العصر، دون أن يفقد هويته كلاعب حريف بالفطرة.
المشهد الختامي

إن انتقال أفشة للاتحاد ليس مجرد صفقة شتوية، بل هو محاولة لاستعادة الذات، محاولة فنان قرر أن يترك الأضواء الصاخبة ليبحث عن الدور القوي، الذي يعيده لقلوب الجماهير، وليد صلاح الدين غادر الإسكندرية تاركاً خلفه ذكرى لا تموت، فهل يكتب أفشة فصله الخاص بمداد من الذهب تحت سماء الثغر؟

تعليقات الفيسبوك