إمام أحمد

إمام أحمد

جوزيه مورينيو.. عودة "مستر إكس"

على طريقة مستر إكس في "أخطر رجل في العالم"، الذي لا يموت ولا تنتهي رحلته ولا يُكتب الفصل الأخير من روايته أبداً.. عاد الرجل من جديد، عاد "مستر إكس" الساحرة المستديرة ليخوض تحدي هو الأصعب في مشواره مع السبيرز توتنهام، تحدي الرهان الكبير الذي يقامر فيه على رصيد السنوات الخوالي كاملاً، سنوات الانتصارات الكبيرة في عواصم أوروبا التي صال فيها وجال خلال العشرة الأوائل من الألفية الجديدة دون أن يقدر عليه أحد.. "مستر إكس"، أو "سبيشيل وان"، قل ما شئت، فكلاهما لنفس الرجل الذي كتبوا بالماضي القريب خبر وفاته، ثم دفنوه، ثم أخذوا عزائه، لكنه عاد بشحمه ولحمه وأنفه العالي ليخوض بمحض إرادته اختباراً قد يكسب فيه كل شيء ويسكت المشككين أو يخسر فيه كل شيء ويسكت هو إلى الأبد، فلا يرفع صوته في وجه صحفي ينهره مجدداً، ولا يجرؤ على النظر بعينين ساخرتين لجمهور الفريق المنافس كما فعل كثيراً.

شخصياً، أشعر بانحياز شديد إلى جوزيه مورينيو، نعم.. رغم غروره وغطرسته وتعاليه كما يرى البعض، وأرى معهم. أنحاز إليه لأنه قدم جديداً في كرة القدم، المجد لمن لا يسير على الدرب، المجد لمن صنع درباً جديداً يسير عليه الناس من بعده، ما فعله صاحب الوجه الحاد في ملاعب الكرة يشبه ما فعله أينشتاين في الفيزياء، والرازي في الطب، والخوارزمي في الرياضيات، وإسحاق نيوتن في قوانين الجاذبية. الكرة قبل مورينيو تختلف عن الكرة بعد مورينيو، لا أبالغ، الرجل  الذي لم يرتد حذاءً كروياً من قبل ولم يحمل شارة قيادة في الملاعب طيلة حياته تحول على مقاعد الإدارة الفنية إلى تقويم جديد لكرة القدم، فشهدت معه اللعبة الأكثر انتشار على مستوى العالم تغييراً جذرياً في خططها وطريقتها وفلسفتها، وتغييراً في مهام الأفراد الذين تحولوا من لاعبين إلى عساكر شطرنج يحركها "الأخ الكبير" من خارج الخطوط كما يشاء.

انظر إلى مسيرته مع بورتو، تشيلسي، إنترميلان.. ثلاث محطات في عقدٍ من الزمان، في كل محطة منها كانت منصات التتويج تذهب أينما ذهب مورينيو، هو بطلاً لأوروبا مع الفريق البرتغالي، وبطلاً لأوروبا مع الفريق الإنجليزي، وبطلاً لأوروبا مع الفريق الإيطالي. لا أؤمن بالسحر، لكن لو كنت أؤمن به لقلت أنه ساحر يتمتع بقوى خارقة.. لكن ماذا حدث للساحر بعد ذلك، وماذا حدث لقواه الخارقة؟!

بُطل مفعول السحر ربماً، وفقد الساحر قواه ربماً، وتحول "فيتو كورليوني" بطل المعجزة السينمائية الأهم على مدار التاريخ "The godfather"، إلى مجرد كومبارس كهل، أشيب الشعر، مهمش، يؤدي أدوراً ثانوية بين ستديوهات التحليل وعلى صفحات المجلات الداخلية بعيداً عن مانشيتات الأغلفة.

فجأة، "الأب الروحي" توالت عليه الهزائم واحدة بعد أخرى، خرج أفراد عائلته من اللاعبين لأول مرة عن طوعه، هتفت الجماهير ضده بعد أن هتفت طويلاً باسمه، غادر مكسور الرأس بعد أن ظلت رأسه لسنوات طويلة عالية كما لو أنه كان يرى الناس جميعاً من فوق قمة جبل بعيد.

لكن زعماء عصابات المافيا لا يقبلون الخسارة، و"فيتو كورليوني" لا يستسلم بهذا الهوان، و"مستر إكس" قد يغيب لكن لا يموت أبداً.. عاد الرجل صباح اليوم ليوقع عقداً جديداً في أقوى دوريات العالم بعد "استراحة محارب"، لكنه هذه المرة يوقع مع العقد "شيكاً على بياض" يحصل عليه في حال نجاحه ليمزقه، ومعه على شهادة "صحة وتوقيع" بأنه "سبيشيال وان" حقيقي بلا شك ولا جدال، أو يذهب به إلى سجون الذين لم يتمكنوا من مواكبة حركة التطور، فأعطاهم الزمن كثيراً ثم ألقى بهم خلف الأسوار بعيداً عن الأضواء ليتخلص منهم في مساحات ظل لا يراها أحد، وقد لا يتذكرها أحد!

المقامرة كبيرة.. والمقامر العنيد هذه المرة قد يكسب كل شئ، أو يخسر كل شئ.