ربما لم يعرف العالم من إرث الفيلسوف اليوناني سقراط، أكثر من جملة «تكلم حتى أراك»، وهي بالفعل جملة عابرة للأجيال، وقادرة على إيصال المعنى بأقل قدر من الحروف، بل ويمكن ارتكاب جريمة تصريفها لأشكال أخرى أنسبها في الوقت الحالي «انجح حتى أراك»، نعم فالنجاح واضح وصريح ولا يحتاج إلى تبيان أو بذل مجهود في إثباته والتغني به، فقط عليك أن تنجح وسيحدث كل شيء تلقائيًا.
وما حدث في مباراة مصر وكوت ديفوار بدور الثمانية، التي انتهت لصالح «الفراعنة» بثلاثية مقابل هدفين، هو نجاح حقيقي تنطبق عليه تلك القاعدة، فالإحصاءات أشارت قبل اللقاء إلى أن «الأفيال» أقرب، والقيمة التسويقية للاعبين والفرق الكبير بين المنتخبين أكدت أن «الأخير» أقرب، والقوة البدنية والسمات الجسدية أيضا أكدت المعلومة نفسها.
على الجانب الآخر، لم يكن مشوار مصر في البطولة بالمطمئن، وذلك من حسن حظنا، لأنه دفعنا إلى القلق الذي ساد بين الجماهير، فانتفض اللاعبين متسلحين بما لم يملكه لاعبي ساحل العاج، وأقصد التاريخ السابق بين البلدين والحماس واللعب برجولة، هكذا كان اللقاء الذي صعدنا منه إلى نصف النهائي بكرامة وكبرياء أيضا.
النجاح لم يقتصر على اللاعبين فقط، هذا أيضا حق الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب، الدلائل تؤكد ذلك ففي نسخة 2023 خرجنا من دور الـ16، ونسخة 2019 خرجنا أيضا من الدور نفسه، أما دور 2021 فكان نجاح بالوصول إلى النهائي، ولهذا فأي معايير يمكن الأخذ بها تؤكد أن وصولنا إلى دور الأربعة هو نجاح كان مطالب به «العميد» ولو لم يحقق لا قدر الله، لكانت النتيجة هي «فشله» مهما قيل من تبريرات أو تردد عن أجواء غير مناسبة وما إلى ذلك.
إذًا نجح المنتخب المصري حتى الآن، وبالعلامة الكاملة دون شك، ونجح حسام حسن في مهمته التي تولي من أجلها منتخب مصر بالوصول إلى نصف نهائي «الكان»، بعدما نجح أيضا في إيصالنا إلى كأس العالم، وإن كان هذا النجاح شاركه فيه مدربون آخرون، أما أمم أفريقيا فهي حصاده وحده، ويحق للرجل أن يحتسب له ذلك.
ما الفرق بين الواجب والحلم؟، ما هو الحد الفاصل بين الحاصل والمأمول؟ هنا يأتي السؤال الحقيقي الواجب طرحه الآن فقط، من ناحية الواجب فعل حسام حسن المطلوب وسنكون ظالمين للرجل إن طالبناه بما هو أكثر أو على الأقل هاجمناه إن أخفق، أقول ذلك لأن الحق أحق أن يتبع، لكن من ناحية الحلم فما زال الشعب يريد النجمة الثامنة، الكأس، اللقب، الحدث الذي نتذكره بعد سنوات بفخر، ونحن نرى أجيال مقبلة خائفة من مواجهة منتخب ما، فنقول نحن بكل طمأنينة «من امتى بنخاف منهم» متذكرين العميد كما نتذكر حسن شحاته بالضبط.
نعم الواجب خلص، والحلم هو الباقي، حلم هزيمة السنغال وكسر «عقدتها» التي طاردتنا السنوات الماضية، هزيمة المغرب، والتأكيد أن مصر مازالت تملك «شفرة أفريقيا»، مهما حقق الآخرون نجاحا عالميا، حلم أن يحصد «صلاح» لقبه الأول، ويخلد هذا الجيل كصاحب أثر وهو يستحق ذلك.
الحلم قاس أعرف، والحمل على كابتن حسام حسن ثقيل، لكن المجد الذي ينتظره يستحق العناء والمجهود، أما القسوة التي اتحدث عنها أن الجماهير لا تحتفل بالمركز الثاني، ولا بقطع طريق حتى نهايته، فعلها كارلوس كيروش في نسخة 2021، ورحل ولم يغضب من أجله، رغم أن الراجل فعل الواجب وأحيا الحلم حتى آخر رمق، لكن دون التتويج لا شيء يستحق الاحتفال، هذا أيضا جزء من قسوة اللعبة، لذلك نحلم مع حسام حسن ولا نلومه بعد الوصول إلى نصف النهائي.

تعليقات الفيسبوك